فصل: انتقاض سنجر الحلي بدمشق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  استيلاء التتر على الشام وانقراض أمر بني أيوب

ثم مسير قطز بالعساكر وارتجاعه الشام من أيدي التتر وهزيمتهم وحصول الشام في ملك الترك ثم عبر هلاكو الفرات سنة ثمان وخمسين وفر الناصر وأخوه الظاهر إلى التيه ولحق بمصر المنصور صاحب حماة وجماعة البحرية الذين كانوا بأحياء العرب في القفر‏.‏ وملك هلاكو بلاد الشام واحدة واحدة وهدم أسوارها وولي عليها وأطلق المعتقلين من البحرية بحلب مثل سنقر الأشقر وشكر وبرانق واستخدمهم‏.‏ ثم قفل إلى العراق لاختلاف بين أخوته واستخلف على الشام كتبغا من أكبر أمرائه في اثني عشر ألفاً من العساكر وتقدم إليه بمطالعة الأشرف إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص بعد أن ولاه على مدينة دمشق وسائر مدن الشام‏.‏ واحتمل معه الناصر وابنه العزيز بعد أن استشاره في تجهيز العساكر بالشام لمدافعة أهل مصر عنها فهون عليه الأمر وقللهم في عينه فجهز كتبغا ومن معه‏.‏ ولما فصل سار كتبغا إلى قلعة دمشق وهي ممتنعة بعد فحاصرها وافتتحها عنوة وقتل نائبها بدر الدين بربدك وخيم بمرج دمشق‏.‏ وجاءه من ملوك الإفرنج بالساحل‏.‏ ووفد عليه الظاهر أخو الناصر صاحب صرخد فرده إلى عمله وأوفد عليه المغيث صاحب الكرك ابنه العزيز بطاعته فقبله ورده إلى أبيه واجتمعت عساكر مصر واحتشد المظفر العرب والتركمان وبعث إليهم بالعطايا وأزاح العلل وبعث كتبغا إلى المظفر قطز بأن يقيم طاعة هلاكو بمصر فضرب أعناق الرسل ونهض إلى الشام مصمماً للقاء العدو ومعه المنصور صاحب حماة وأخوه الأفضل‏.‏ وزحف كتبغا وعساكر التتر ومعه الأشرف صاحب حمص والسعيد صاحب الضبينة ابن العزيز بن العادل‏.‏ وبعث إليهما قطز يستميلهما فوعده الأشرف بالانهزام يوم اللقاء وأسماء العزيز الرد على رسوله وأوقع به والتقى الفريقان بالغور على عين جالوت وتحيز الأشرف عندما تناشبوا فانهزم التتر وقتل أميرهم كتبغا في المعركة‏.‏ وجيء بالسعيد صاحب الضبينة أسيراً فوبخه ثم قتله وجيء بالعزيز بن المغيث وأسر يومئذ الذي ملك مصر بعد ذلك‏.‏ ولقي العادل بيبرس المنهزمين في عسكر من الترك فأثخن فيهم وانتهى إلى حمص فلقي مدداً من التتر جاء لكتبغا فاستأصلهم ورجع إليه الأشرف صاحب حمص من عسكر التتر فأقره على بلده وبعث المنصور على بلده حماة وأقره عليها ورد إليه المعرة وانتزع منه سلمية فأقطعها لأمير العرب مهنا بن مانع بن جديلة‏.‏ وسار إلى دمشق فهرب من كان بها من التتر وقتل من وجد بها من بقاياهم‏.‏ ورتب العساكر في البلاد وولى على دمشق علم الدين سنجر الحلي الصالحي وهو الذي كان أتابك علي بن أيبك ونجم الدين أبا الهيجاء ابن خشترين وولى على حلب السعيد ويقال المظفر علاء الدين بن لؤلؤ صاحب الموصل‏.‏ وكان وصل إلى الناصر بمصر هارباً أمام التتر وسار معه فلما دخل الناصر منها لحق هو بمصر وأحسن إليه قطز‏.‏ ثم ولاه الناصر على حلب الآن ليتوصل إلى أخبار التتر من أخيه الصالح بالموصل‏.‏ وولى على نابلس وغزة والسواح شمس الدين دانشير البرلي من أمراء العزيز محمد وهو أبو الناصر وكان هرب منه عند نهوضه إلى مصر في جماعة من العزيزية ولحق بأتابك‏.‏ ثم ارتاب بهم وقبض على بعضهم ورجع البرلي في الباقين إلى الناصر فاعتقله بقلعة حلب حتى سار إلى التتر‏.‏ فلما دخل إليها سار البرلي مع العساكر إلى مصر فأكرمه المظفر وولاه الآن على السواحل وغزة وأقام المظفر بدمشق عشرين ليلة وأقبل إلى مصر‏.‏ ولما بلغ إلى هلاكو ما وقع بقومه في الشام و استيلاء الترك عليه إتهم صاحب دمشق بأنه خدعه في إشارته وقتله كما مر وانقرض ملك بني أيوب من الشام أجمع وصار لملوك مصر من الترك‏.‏ والله يرث الأرض من عليها وهو خير الوارثين‏.‏

 مقتل المظفر وولاية الظاهر بيبرس

كان البحرية من حين مقتل أميرهم أقطاي الجامدار يتحينون لأخذ ثأره وكان قطز هو الذي تولى قتله فكان مستريباً بهم‏.‏ ولما سار إلى التتر ذهل كل منهم عن شأنه‏.‏ وجاء البحرية من القفر هاربين من المغيث صاحب الكرك فوثقوا لأنفسهم من السلطان قطز أحوج ما كان إلى أمثالهم من المدافعة عن الإسلام وأهله فأمنهم واشتمل عليهم وشهدوا معه واقعة التتر على عين جالوت وأبلغوا فيها والمقدمون فيهم يومئذ بيبرس البندقداري وأنز الأصبهاني وبلبان الرشيدي وبكتون الجوكنداري وبندوغز التركي‏.‏ فلما انهزم التتر من الشام واستولوا عليه وحسر ذلك المد وأفرج عن الخائفين الروع عاد هؤلاء البحرية إلى ديدنهم من الترصد لثأر أقطاي‏.‏ فلما قفل قطز من دمشق سنة ثمان وخمسين أجمعوا أن يبرزوا به في طريقهم‏.‏ فلما قارب مصر ذهب في بعض أيامه يتصيد وسارت الرواحل على الطريق فاتبعوه وتقدم إليه أنز شفيعاً في بعض أصحابه‏.‏ فشفعه فأهوى يقبل يده فأمسكها‏.‏ وعلاه بيبرس بالسيف فخر صريعاً لليدين والفم‏.‏ ورشقه الآخرون بالسهام فقتلوه وتبادروا إلى المخيم‏.‏ وقام دون فارس الدين أقطاي على ابن المعز أيبك وسأل من تولى قتله منكم فقالوا بيبرس فبايع له واتبعه أهل المعسكر ولقبوه الظاهر‏.‏ وبعثوا أيدمر الحلي بالخبر إلى القلعة بمصر فأخذ له البيعة على من هناك‏.‏ ووصل الظاهر منتصف ذي القعدة من السنة فجلس على كرسيه واستخلف الناس على طبقاتهم وكتب إلى الأقطار بذلك‏.‏ ورتب الوظائف وولى الأمراء‏.‏ وولى تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الوزارة مع القضاء واقتدى بآثار أستاذه الصالح نجم الدين‏.‏ ومبدأ أمر هذا الظاهر بيبرس أنه كان من موالي علاء الدين أيدكين البندقداري مولى الصالح فسخط عليه واعتقله وانتزع ماله ومواليه وكان منهم بيبرس فصيره مع الجامدارية وما زال يترقى في المراتب إلى أن تقدم في الحروب ورياسة المراكب ثم كان خبره بعد الصالح ما قصصناه انتهى والله سبحاه وتعالى أعلم‏.‏

 انتقاض سنجر الحلي بدمشق

ثم أقوش البرلي بحلب ولما بلغ علم الدين سنجر بدمشق مقتل قطز وولاية الظاهر بيبرس انتقض ودعا لنفسه وجلس على التخت بدمشق وتلقب المجاهد وخطب لنفسه وضرب السكة باسمه وتمسك المنصور صاحب حماة بدعوة الظاهر‏.‏ وجاءت عساكر التتر إلى الشام فلما شارفوا البيرة جرد إليهم السعيد بن لؤلؤ من حلب عسكراً فهزمهم التتر وقتلوهم‏.‏ واتهم الأمراء العزيزية والخاصرية ابن لؤلؤ في ذلك فاعتقلوه وقدموا عليهم حسام الدين الجو كنداري وأقره الظاهر‏.‏ وزحف التتر إلى حلب فملكوها وهرب حسام الدين إلى حماة ثم زحف إليها التتر فلحق صاحبها المنصور وأخوه علي الأفضل إلى حمص وبها الأشرف بن شيركوه واجتمعت إليه العزيزية والناصرية وقصدوا التتر سنة تسع وخمسين فهزموهم بعد هزيمتهم ونازلوا حماة‏.‏ وسار المنصور والأشرف صاحب حمص إلى سنجر الحلي بدمشق ولم يدخلا في طاعته لضعفه‏.‏ وسار التتر من حماة إلى أفامية فحاصروها يوماً وعبروا الفرات إلى بلادهم‏.‏ وبعث بيبرس الظاهر صاحب مصر أستاذه علاء الدين البندقداري في العساكر لقتال سنجر الحلي بدمشق وقاتلهم فهزموه ولجأ إلى القلعة‏.‏ ثم خرج منها ليلاً إلى بعلبك واتبعوه فقبضوا عليه وبعثوه إلى الطاهر فاعتقله واستقر أيدكين بدمشق ورجع صاحب حمص وحماة إلى بلديهما‏.‏ وبعث الظاهر إلى أيدكين بالقبض على بهاء الدين بقري وشمس الدين أقوش اليرلي وغيرهما من العزيزية فقبض على بقري وفر العزيزية والناصرية مع أقوش البرلي وطالبوا صاحب حمص وصاحب حماة في الانتقاض فلم يجيباهم إلى ذلك‏.‏ فقال لفخر الدين اطلب لي الظاهر المقدم معك في خدمتك‏.‏ وبينما هو يسير لذلك خالفه البرلي إلى حلب وثار بها وجمع العرب والتركمان ونصب للحرب فجاءت العساكر من مصر فقاتلوه وغلبوه عليها‏.‏ ولحق بالبيرة فملكها واستقر بها حتى إذا جهز الظاهر عساكره سنة ستين إلى حلب مع سنقر الرومي سار معه صاحب حماة وصاحب حمص للإغارة على إنطاكية‏.‏ ولقيهم البرلي وأعطاهم طاعته وأقره الظاهر على البيرة‏.‏ ثم ارتاب به بعد ذلك واعتقله ثم علاء الدين أيدكن البندقداري مولى السلطان بدمشق وولى عليها بيبرس الوزير ورجع والله ينصر من يشاء من عباده انتهى‏.‏ البيعة للخليفة بمصر ثم مقتله بالحديثة وغانة على يد التتر والبيعة للآخر الذي استقرت الخلافة في عقبه بمصر لما قتل الخليفة عبد الله المستعصم ببغداد بقي رسم الخلافة الإسلامية عطلاً بأقطار الأرض والظاهر متشوف إلى تجديده وعمارة دسته‏.‏ ووصل إلى مصر سنة تسع وخمسين عم المستعصم وهو أبو العباس أحمد بن الظاهر كان بقصورهم ببغداد وخلص يوم البيعة وأقام بتردد في الأحياء إلى أن لحق مصر فسر الظاهر بقدومه وركب للقائه ودعا الناس على طبقاتهم إلى أبواب السلطان بالقلعة وأفرد بالمجلس أدباً معه‏.‏ وحضر القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز فحكم باتصال نسبه بالشجرة الكريمة بشهادة العرب الواصلين به والخدم الناجعين من قصورهم‏.‏ ثم بايع له الظاهر والناس على طبقاتهم وكتب إلى النواحي بأخذ البيعة والخطبة على المنابر ونقش اسمه في السكة ولقب المستنصر وأشهد هو حينئذ الملأ بتفويض الأمر للظاهر والخروج له عن العهد وكتب بذلك سجله‏.‏ وأنشأه فخر الدين بن لقمان كاتب الترسيل‏.‏ ثم ركب السلطان والناس كافة إلى خيمة بنيت خارج المدينة فقرئ التقليد على الناس وخلع على أهل المراتب والخواص ونادى السلطان بمظاهرته وإعادته إلى دار خلافته‏.‏ ثم خطب هذا الخليفة يوم الجمعة وخشع في منبره فأبكى الناس وصلى وانصرفوا إلى منازلهم ووصل على أثره الصالح إسماعيل بن لؤلؤ صاحب الموصل وأخوه إسحاق صاحب الجزيرة وقد كان أبوهما لؤلؤ استخدم لهلاكو كما مر وأقره على الموصل وما إليها وتوفي سنة سبع وخمسين‏.‏ وقد ولي ابنه إسماعيل على الموصل وابنه إسماعيل المجاهد على جزيرة ابن عمر وابنه السعيد على سنجار‏.‏ وأقرهم هلاكو على أعمالهم ولحق السعيد بالناصر صاحب دمشق وسار معه إلى مصر وصار مع قطز وولاه حلب كما مر ثم اعتقل‏.‏ ثم ارتاب هلاكو بالأخوين فأجفلا ولحقا بمصر وبالغ الظاهر في إكرامهم وسألوه في إطلاق أخيهم المعتقل فأطلقه وكتب لهم بالولاية على أعمالهم وأعطاهم الألوية وشرع في تجهيز الخليفة إلى كرسيه ببغداد فاستخدم له العساكر وأقام الفساطيط والخيام ورتب له الوظائف وأزاح علل الجميع‏.‏ يقال أنفق في تلك النوبة نحواً من ألف ألف دينار‏.‏ ثم سار من مصر في شوال من السنة إلى دمشق ليبعث من هناك الخليفة وابني لؤلؤ إلى ممالكهم‏.‏ ووصل إلى دمشق ونزل بالقلعة وبعث بلبان الرشيدي وشمس الدين سنقر إلى الفرات‏.‏ وصمم الخليفة لقصده وفارقهم‏.‏ وسار الصالح إسماعيل وأخواه إلى الموصل وبلغ الخبر إلى هلاكو فجرد العساكر إلى الخليفة وكبسوه بغانة والحديثة فصابرهم قليلاً‏.‏ ثم استشهد وبعث العساكر إلى الموصل فحاصروها تسعة أشهر حتى جهدهم الحصار واستسلموا فملكها التتر وقتلوا الصالح إسماعيل والظاهر خلال مقيم بدمشق‏.‏ وقد وفد عليه بنو أيوب من نواحي الشام وأعطوه طاعتهم المنصور صاحب حماة والأشرف صاحب حمص فأكرم وصلهما وولاهما على أعمالهما وأذن لهما في اتخاذ الآلة وبسط حكمهما على بلاد الإسماعيلية‏.‏ وإلى المنصور تل باشر الذي اعتاضه عن حمص لما أخذها منه الناصر صاحب حلب‏.‏ ووفد على الظاهر أيضاً بدمشق الزاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص وصاحب بعلبك والمنصور والسعيد ابنا الصالح إسماعيل بن العادل والأمجد بن الناصر داود الأشرف بن مسعود والظاهر بن المعظم فأكرم وفادتهم وقابل بالإحسان والقبول طاعتهم وفرض لهم الأرزاق وقرر الجرايات‏.‏ ثم قفل إلى مصر وأفرج عن العزيز بن المغيث الذي كان اعتقله قطز وأطلقه يوم الموقعة بالكرك‏.‏ وولى على أحياء العرب بالشام عيسى بن مهنا بن مانع بن جريلة من رجالاتهم ووفر لهم الإقطاع على حفظ السابلة إلى حدود العراق ورجع إلى مصر فقدم عليه رجل من عقب المسترشد من خلفاء بني العباس ببغداد اسمه أحمد فأثبت نسبه ابن بنت‏.‏ الأعز كالأول‏.‏ وجمع الظاهر الناس على مراتبهم وبايع له وفوض إليه هو الأمور وخرج إليه عن التدبير‏.‏ وكانت هذه البيعة سنة ستين ونسبه عند العباسيين في أدراج نسبهم الثابت أحمد بن أبي بكر علي بن أبي بكر بن أحمد ابن الإمام المسترشد‏.‏ وعند نسابة مصر أحمد بن حسن بن أبي بكر ابن الأمير أبي علي القتبي ابن الأمير حسن ابن الإمام الراشد ابن الإمام المسترشد‏.‏ هكذا قال صاحب حماة في تاريخه وهو الذي استقرت الخلافة في عقبه بمصر لهذا العهد انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 فرار التركمان من الشام إلى بلاد الروم

كان التركمان عند دخول التتر إلى بلاد الشام كلهم قد أجفلوا إلى الساحل واجتمعت أحياؤهم بالجوكان قريباً من صفد‏.‏ وكان الظاهر لما نهض إلى الشام اعترضه رسل الإفرنج من يافا وبيروت وصفد يسألونه في الصلح على ما كان لعهد صلاح الدين فأجابهم وكتب به إلى الأنبردور ملكهم ببلاد إفرنسة وراء البحر فكانوا في ذمة من الظاهر وعهد‏.‏ ووقعت بين الإفرنج بصفد وبين أحياء التركمان واقعة يقال أغار فيها أهل صفد عليهم فأوقع بهم التركمان وأسروا عدة من رؤسائهم وفادوهم بالمال‏.‏ ثم خشوا عاقبة ذلك من الظاهر فارتحلوا إلى بلاد الروم وأقفر الشام منهم‏.‏ والله تعالى ينصر من يشاء من عباده‏.‏

 انتقاض الأشرفية والعزيزية

واستيلاء البرلي على البيرة كان هؤلاء العزيزية والأشرفية من أعظم جموع هؤلاء الموالي وكان مقدم الأشرفية بهاء الدين بقري ومقدم العزيزية شمس الدين أقوش وكان المظفر قطز قد أقطعه نابلس وغزة وسواحل الشام‏.‏ ولما ولي الظاهر انتقض عليه سنجر الحلي بدمشق وجهز أستاذه علاء الدين البندقداري في العساكر لقتاله‏.‏ وكان الأشرفية والعزيزية بحلب وقد انتقضوا على نائبها السعيد بن لؤلؤ كما مر فتقدم البندقداري باستدعائهم معه إلى دمشق‏.‏ ثم أضاف الظاهر بيسان للبرلي زيادة على ما بيده فسار وملك دمشق‏.‏ ثم أوعز الظاهر إلى البندقداري بالقبض على العزيزية والأشرفية‏.‏ فلم يتمكن إلا من بقري مقدم الأشرفية وفارقه الباقون وانتقضوا‏.‏ واستولى شرف الدين البرلي على البيرة وأقام بها وشن الغارات على التتر شرقي الفرات فنال منهم‏.‏ ثم جهز الظاهر عساكره إليه مع جمال الدين بامو الحموي فهزمهم وأطلقهم وأقام الظاهر على استمالته بالترغيب والترهيب حتى جنح إلى الطاعة واستأذن في القدوم وسار بكباس الفخري للقائه فلقيه بدمشق سنة إحدى وستين ثم وصل فأوسعه السلطان يداً وعطاء والواصلين معه على مراتبهم واختصه بمراكبته ومشورته وسأله النزول عن البيرة فنزل عنها فقبلها الظاهر وأعاضه عنها‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

  استيلاء الظاهر على الكرك من يد المغيث

وعلى حمص بعد وفاة صاحبها لما قفل السلطان من الشام سنة ستين كما قدمناه جرد عسكراً إلى الشوبك مع بدر الدين أيدمري فملكها وولى عليها بدر الدين بلبان الخصي ورجع إلى مصر‏.‏ وكان عند المغيث بالكرك جماعه من الأكراد الذين أجفلوا من شهرزور أمام التتر إلى الشام وكان قد اتخذهم جنداً لعسكرته فسرحهم للإغارة على الشوبك ونواحيه فاعتزم السلطان على الحركة إلى الكرك مخافة المغيث‏.‏ وبعث بالطاعة واستأمن من الأكراد فقبلهم الظاهر وأمن الأكراد فوصلوا إليه‏.‏ ثم سار سنة إحدى وستين إلى الكرك واستخلف على مصر سنجر الحلي واستخلف على غزة فلقي هنالك أم المغيث تستعطفه وتستأمن منه لحضور ابنها فأجابها وسار إلى بيسان فسار المغيث للقائه‏.‏ فلما وصل قبض عليه وبعثه من حينه إلى القاهرة مع أقسنقر الفارقاني وقتل بعد ذلك بمصر‏.‏ وولى على الكرك عز الدين أيدمر وأرسل نور الدين بيسري الشمسي ليؤمن أهل الكرك ويرتب الأمور بها‏.‏ وأقام بالطور في انتظاره فأبلغ بيسري القصد من ذلك‏.‏ ورجع إليه فارتحل إلى القدس وأمر بعمارة مسجده ورجع إلى مصر‏.‏ وبلغه وفاة صاحب حمص موسى الأشرف بن إبراهيم المنصور شيركوه المجاهد بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه وكانت وراثة له من آبائه أقطعه نور الدين العادل لجده أسد الدين ولم تزل بأيديهم وأخذها الناصر يوسف صاحب حلب سنة ست وأربعين وعوضه عنها تل باشر وأعادها عليه هلاكو وأقرة الظاهر‏.‏ ثم توفي سنة إحدى وستين وصارت للظاهر وانقرض منها ملك بني أيوب والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ ثم رجعت عساكر التتر إلى البيرة مع ردمانة من أمراء المغل سنة ثلاث وستين فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق فجهز السلطان العساكر مع لوغان من أمراء الترك فساروا في ربيع من السنة وسار السلطان في أثرهم وانتهى إلى غزة‏.‏ ولما وصلت العساكر إلى البيرة وأشرفوا عليها والعدو يحاصرها أجفلها عساكر التتر وساروا منهزمين وخلفوا سوادهم وأثقالهم فنهبتها العساكر‏.‏ وارتحل السلطان من غزة وقصد قيسارية وهي للإفرنج فنزل عليها عاشر جمادى من السنة فنصب المجانيق ودعا أهلها للحرب واقتحمها عليهم فهربوا إلى القلعة فحاصرها خمساً وملكها عنوة وفر الإفرنج منها‏.‏ ثم رحل في خض من العساكر إلى عملها فشن عليها الغارة وسرح عسكراً إلى حيفا فملكها عنوة‏.‏ وخربوها وقلعتها في يوم أو بعض يوم‏.‏ ثم ارتحل إلى أرسوف فنازلها مستهل جمادى الأخيرة فحاصرها وفتحها عنوة وأسر الإفرنج الذين بها وبعث بهم إلى الكرك‏.‏ وقسم أسوارها على الأمراء فرموها وعمد إلى ما ملك في هذه الغزاة من القرى والضياع والأرضين فقسمها على الأمراء الذين كانوا معه وكانوا اثنين وخمسين وكتب لهم بذلك وقفل إلى مصر‏.‏ وبلغه الخبر بوفاة هلاكو ملك التتر في ربيع من السنة وولاية ابنه أبغا مكانه وما وقع بينه وبين بركه صاحب الشمال من الفتنة‏.‏ ولأول دخوله لمصر قبض على شمس الدين سنقر الرومي وحبسه وكانت الفتنة قبل غزاته بين عيسى بن مهنا ولحق زامل بعد ذلك غزو طرابلس وفتح صفد كانت طرابلس للإفرنج وبها سمند بن البرنس الأشتر وله معها إنطاكية‏.‏ وبلغ السلطان أنه قد تجهز للقتال فلقيه النائب بها علم الدين سنجر الباشقر وانهزم المسلمون واستشهد كثير منهم فتجهز السلطان للغزو وسار من مصر في شعبان سنة أربع وستين وترك ابنه السعيد علياً بالقلعة في كفالة عز الدين أيدمر الحلي‏.‏ وقد كان عهد لابنه السعيد بالملك سنة اثنتين وستين‏.‏ ولما انتهى إلى غزة بعث العساكر صحبة سيف الدين قلاوون ايدغدي العزيزي فنازل القليعات وحلباً وعرقاً من حصون طرابلس فاستأمنوا إليه‏.‏ وزحفت العساكر وسار السلطان إلى صفد فحاصرها عشراً ثم اقتحمها عليهم في عشرين من رمضان السنة وجمع الإفرنج الذين بها فاستلحمهم أجمعين وأنزل بها الحامية وفرض أرزاقهم في ديوان العطاء ورجع إلى دمشق والله تعالى أعلم‏.‏

 مسير العساكر لغزو الأرمن هؤلاء الأرمن

من ولد أخي إبراهيم عليه السلام من بني قوميل بن ناحور وناحور بن تارح وعبر عنه في التنزيل بآزر‏.‏ وناحور أخو إبراهيم عليه السلام‏.‏ ويقال أن الكرج أخوة الأرمن وأرمينية منسوبة إليهم‏.‏ وآخر مواطنهم الدروب المجاورة لحلب وقاعدتها سيس ويلقب ملكهم النكفور‏.‏ وكان ملكهم صاحب هذه الدروب لعهد الملك الكامل وصلاح الدين من بعده اسمه قليج بن اليون‏.‏ واستنجد به العادل وأقطع له وكان يعسكر معه‏.‏ وصالحه صلاح الدين على بلاده‏.‏ ثم كان ملكهم لعهد هلاكو والتتر هيثوم بن قسطنطين ولعله من أعقاب قليج أو قرابته‏.‏ ولما ملك هلاكو العراق والشام دخل هيثوم في طاعته فأقره على سلطانه ثم أمره بالإغارة على بلاد الشام وأمده صاحب بلاد الروم من التتر‏.‏ وسار سنة اثنتين وستين ومعه بنو كلاب أعراب حلب‏.‏ وانتهوا إلى سيس وجهز الظاهر عساكر حماة وحمص فساروا إليهم وهزموهم ورجعوا إلى بلادهم‏.‏ فلما رجع السلطان من غزاة طرابلس سنة أربع وستين سرح العساكر لغزو سيس وبلاد الأرمن وعليهم سيف الدين قلاوون والمنصور صاحب حماة فساروا لذلك‏.‏ وكان هيثوم ملكهم قد ترهب ونصب للملك ابنه كيقومن فجمع كيقومن الأرمن وسار للقائهم ومعه أخوه وعمه‏.‏ وأوقع بهم المسلمون قتلاً وأسراً وقتل أخوه وعمه في جماعة من الأرمن‏.‏ واكتسحت عساكر المسلمين بلادهم واقتحموا مدينة سيس وخربوها ورجعوا وقد امتلأت أيديهم بالغنائم والسبي وتلقاهم الظاهر من دمشق عند قارا‏.‏ فلما رآهم ازداد سروراً بما حصل لهم وشكا إليه هنالك الرعية ما لحقهم من عدوان الأحياء الرحالة وأنهم ينهبون موجودهم ويبيعون ما يتخطفونه منهم ثم سار إلى مصر وأطلق كيقومن ملك الأرمن وصالحه على بلده‏.‏ ولم يزل مقيماً إلى أن بعث أبوه في فدائه وبذل فيه الأموال والقلاع فأبى الظاهر من ذلك وشرط عليه خلاص الأمراء الذين أخذهم هلاكو من سجن حلب وهم سنقر الأشقر وأصحابه‏.‏ فبعث فيهم نكفور إلى هلاكو فبعث بهم إليه وبعث الظاهر بابنه منتصف شوال وتسلم القلاع التي بذلت في فدائه وكانت من أعظم القلاع وأحصنها منها مرزبان ورعبان‏.‏ وقدم سنقر الأشقر على الظاهر بدمشق وأصبح معه في المواكب ولم يكن أحد علم بأمره‏.‏ وأعظم إليه السلطان النعمة ورفع الرتبة ورعى له السابقة والصحبة‏.‏ وتوفي هيثوم سنة ستين بعدها والله تعالى ينصر من يشاء من عباده‏.‏

 مسير الظاهر لغزو حصون الإفرنج بالشام وفتح يافا والشقيف ثم إنطاكية

كان الظاهر عندما رجع من غزاة طرابلس إلى مصر أمر بتجديد الجامع الأزهر وإقامة الخطبة به وكان معطلاً منها منذ مائة سنة وهو أول مسجد أسسه الشيعة بالقاهرة حين اختطوها ثم خرج إلى دمشق لخبر بلغه عن التتر ولم يثبت فسار من هنالك إلى صفد وكان أمر عند مسيره بعمارتها وبلغه إغارة أهل الشقيف على الثغور فقصدها وشن الغارة على عكا واكتسح بسائطها حتى سأل الإفرنج منه الصلح على ما يرضيه فشرط المقاسمة في صيدا أو هدم الشقيف وإطلاق تجار من المسلمين كانوا أسروهم ودية بعض القتلى الذين أصابوا دمه‏.‏ وعقد الصلح لعشر سنين ولم يوفوا بما شرط عليهم فنهض لغزوهم ونزل فلسطين في جمادى سنة ست وستين وسرح العساكر لحصار الشقيف‏.‏ ثم بلغه مهلك صاحب يافا من الإفرنج وملك ابنه مكانه‏.‏ وجاءت رسله إليه في طلب الموادعة فحبسهم وصبح البلد فاقتحمها ولجأ أهلها إلى القلعة فاستنزلهم بالأمان وهدمها‏.‏ وكان أول من اختط مدينة يافا هذه صنكل من ملوك الإفرنج عندما ملكوا سواحل الشام سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ثم مدنها وأتم عمارتها ريد إفرنس المأسور على دمياط عندما خلص من محبسه بدار ابن لقمان‏.‏ ثم رجع إلى حصن الشقيف فحاصره وافتتحه بالأمان وبث العساكر في نواحي طرابلس فاكتسحوها وخربوا عمرانها وكنائسها‏.‏ وبادر صاحب طرطوس بطاعة السلطان وبعث إلى العساكر بالميرة وأطلق الأسرى الذين عنده ثلاثمائة أو يزيدون‏.‏ ثم ارتحل السلطان إلى حمص وحماة يريد إنطاكية وقدم سيف الدين قلاوون في العساكر فنازل إنطاكية في شعبان فسار المنصور صاحب حماة وجماعة البحرية الذين كانوا بأحياء العرب في القفر‏.‏ وكان صاحب إنطاكية سمند بن تيمند وكانت قاعدة ملك الروم قبل الإسلام اختطها أنطيخس من ملوك اليونانيين وإليه تنسب ثم صارت للروم وملكها المسلمون عند الفتح‏.‏ ثم ملكها الإفرنج عندما ساروا إلى ساحل الشام أعوام التسعين والأربعمائة‏.‏ ثم استطردها صلاح الدين من البرنس أرناط الذي قتله في واقعة حطين كما مر‏.‏ ثم ارتجعها الإفرنج بعد ذلك على يد البرنس الأشتر وأظنه صنكل‏.‏ ثم صارت لابنه تيمند ثم لابنه سمند‏.‏ وكان عندما حاصرها الظاهر بطرابلس وكان بها كنداصطبل عم يغمور ملك الأرمن أفلت من الواقعة عليه بالدرابند واستقر بإنطاكية عند سمند فخرج في جموعه القتال الظاهر فانهزم أصحابه‏.‏ وأسر كنداصطبل على أن يحمل أهل إنطاكية على الطاعة فلم يوافقوه‏.‏ ثم جهدهم الحصار واقتحمها المسلمون عنوة وأثخنوا فيهم ونجا خلهم إلى القلعة فاستنزلوا على الأمان‏.‏ وكتب الظاهر إلى ملكهم سمند وهو بطرابلس وأطلق كنداصطبل وأقاربه إلى ملكهم هيثوم بسيس‏.‏ ثم جمع الغنائم وقسمها وخرب قلعة إنطاكية وأضرمها ناراً‏.‏ واستأمن صاحب بغراس فبعث إليه سنقر الفارقي أستاذ داره فملكها وأرسل صاحب عكا إلى الظاهر في الصلح وهو ابن أخت صاحب قبرس فعقد له السلطان الصلح لعشر سنين‏.‏ ثم عاد إلى مصر فدخلها ثالث أيام التشريق من السنة والله تعالى أعلم‏.‏ ثم نهض السلطان من مصر سنة سبع وستين لغزو الإفرنج بسواحل الشام وخلف علي مصر عز الدين أيدمر الحلي مع ابنه السعيد ولي عهده وانتهى إلى أرسوف فبلغه أن رسلاً جاؤوا من عند أبغا بن هلاكو ومروا بنقفور ملك الروم فبعث بهم إلى فبعث أميراً من حلب لإحضارهم‏.‏ وقرأ كتاب أبغا بسعي نقفور في الصلح ويحتال فيما أذاعه من رسالته فأعاد رسله بجوابهم وأذن للأمراء في الإنطلاق إلى مصر ورجع إلى دمشق‏.‏ ثم سار منها في خف من العسكر إلى القلاع وبلغه وفاة أيدمر الحلي بمصر فخيم بخربة اللصوص وأغذ السير إلى مصر متنكراً منتصف شعبان في خف من التركمان‏.‏ وقد طوى خبره عن معسكره وأوهمهم القعود في خيمته عليلاً ووصل إلى القلعة ليلة الثلاثاء رابعة سفره فتنكر له الحراس وطولع مقدم الطواشية فطلب منهم إمارة على صدقهم فأعطوها‏.‏ ثم دخل فعرفوه وباكر الميدان يوم الخميس فسر به الناس‏.‏ ثم قضى حاجة نفسه وخرج ليلة الاثنين عائداً إلى الشام كما جاء فوصل إلى مخيمه ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان وفرح الأمراء بقدومه‏.‏ ثم فرق البعوث في الجهات وأغاروا على صور وملكوا إحدى الضياع وساحوا في بسيط كركو فاكتسحوها وامتلأت أيديهم بالغنائم ورجعوا والله تعالى أعلم‏.‏